عفيف الدين التلمساني
47
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : إشاراتي في الشيء تمحو معنى المعنى فيه وتثبته منه لا به ) . قلت : يحتاج شرح هذا التنزل الشريف إلى توطئة ، وهي أن شهوده تعالى قد يكون بمحو العبد المشاهد لآياته تعالى في الآفاق وقد يكون بمحوه لآياته في الأنفس كما قال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصّلت : الآية 53 ] . فإذا كان المحو بالآيات وهي العلامات لم يمح من العبد إلا نصيب تلك الآية سواء كانت في النفس أو في الآفاق ، لكن ذلك المجلى لا بد أن يكون في نفسه معنى من المعاني ، فذلك العيان الخاص يمحو معنوية ذلك المجلى بأن يصرف عن معنويته إلى ذات المتجلى فيذهب ذلك المعنى وهو قوله : « يمحو معنى المعنى فيه » ثم إن ذلك العيان بنفسه لا يثبته به بل بالمتجلى ، فكأنه قال : يثبت ذلك المعنى لكن بالمتجلى لا بالمعنى نفسه فهذا شرح قوله : « ويثبته منه لا به » . واللّه الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الموصوف بالأسماء الحسنى والصفات العلى ما رأيت في مكتوب ولا سمعت في مسموع منذ أكرمني اللّه تعالى بالانتماء إلى هذه الطائفة أفصح عبارة عن التجليات الجزئية من لفظ هذا التنزل . والأول على حقيقة التعرف وإني أعتقد أن قدرة البشر تعجز عن هذه العبارة وأن هذه لقوة إلهية فسبحان الوهاب . قوله : ( وقال لي : فيك ما لا ينعرف ولا يعرف « 1 » ) . قلت : معناه فيك ما لا ينمحي ولا يمحى وهذه إشارة إلى أن في كل عبد قسطا للحق ليس هو من الكون ، فيمحى ما من العبد ويبقى ما من سيده تعالى ، وذلك القسط هو الذي به ذلك العبد قائم ولولاه لانعدم قبل أن يدركه الوهم أو يقع عليه الحس وذلك القسط هو الذي أشار إليه في التنزل الذي قبل هذا بأنه يثبته منه أي من ذلك القسط ، وهو كالأساس الذي يبقى بعد هدم البناء بشرط أن يعتبر أنه ليس من البناء ثم يعاد ذلك البناء على ذلك الأساس لا من شيء من آلات ذلك البناء الأول ما دامت تلك الآلات على صورها ، أما إذا زالت صورها ، وعادت إلى هيولاها فليست تلك هي الآلات الأولى فإنها بعد أن عادت مثلا إلى البساطة عادت نورا كهيئة قبل أن يخلق اللّه تعالى العقل الأول في التقدير ، وليس ذلك النور
--> ( 1 ) وفي نسخة [ لا ينصرف ولا يصرف ] .